عبد الوهاب الشعراني
436
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وروى الإمام أحمد وابن حبان في « صحيحه » والحاكم والبيهقي مرفوعا : « ألا أنبّئكم بخيركم ؟ قالوا نعم يا رسول اللّه ؟ قال : خياركم أطولكم أعمارا وأحسنكم أعمالا » . وروى الترمذي وقال حديث حسن صحيح والطبراني وغيرهما : « أنّ رجلا قال : يا رسول اللّه أيّ النّاس خير ؟ قال : من طال عمره وحسن عمله قال فأيّ النّاس شرّ ؟ قال : من طال عمره وساء عمله » . والأحاديث في ذلك كثيرة ، واللّه تعالى أعلم . [ الخوف من سطوة ربنا عز وجل : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نخاف من سطوات ربنا وغضبه علينا ليلا ونهارا ولا نأمن مكر اللّه علينا في ساعة من ليل أو نهار . واعلم يا أخي أن أحدا لا يستغني عن الخوف ولا يسقط عنه ولو بلغ الغاية ما دام في هذه الدار إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لعصمتهم ، وأما ما عداهم فمن حقه الخوف حتى يضع قدمه في الجنة لأنه من المقامات المستصحبة بعد الموت ، بخلاف نحو مقام التوبة والتقوى فإنه خاص بالحياة مدى التكليف . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : إذا خافت الأمم كلها كان الأنبياء كلهم آمنين ، وإن وقع منهم خوف فإنما ذلك على أممهم ا ه . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ يسلك به الطريق حتى يزيل حجبه الكثيفة المانعة له من الخوف ، فإن الإنسان كلما قرب من حضرة اللّه عز وجل استعظمه وخاف منه ، وكلما بعد وحجب فبالعكس نظير ذلك في الدنيا أصحاب حضرة السلطان ، فترى عندهم من الخوف منه ومن سطوته ما ليس عند البعداء عن حضرته وربما شتمه هؤلاء ونقصوه بخلاف من كان من أهل حضرته . وقد كان السلف الصالح كلهم على قدم الخوف حتى ماتوا لعلو مقامهم وقربهم من ربهم ، وخلفهم أقوام ليس عندهم من الخوف إلا الاسم ، فإن أعمالهم تكذب أقوالهم . وقد كان الحسن البصري رضي اللّه عنه يقول : واللّه لقد أدركنا أقواما لو رأوكم لقالوا هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب . ورأى شخص في المنام مالك بن دينار في الجنة فأتاه يبشره بذلك فقال له مالك أما وجد إبليس أحدا يسخر به غيري وغيرك ، وكانت السحابة إذا مرت عليه وهو يملي الحديث يسكت ويرتعد ويقول اصبروا حتى تمر فإني أخاف أن تكون فيها حجارة ترجمنا بها . وسألوه مرة أن يخرج معهم للاستسقاء ، فقال : باللّه عليكم اتركوني فإني أخاف أن لا تسقوا بسببي ا ه . وطلب جماعة من سيدي عبد العزيز الدريني كرامة وقالوا : مرادنا شيء يقوي يقيننا واعتقادنا فيك حتى نأخذ عنك الطريق ، فقال : يا أولادي وهل ثم كرامة من اللّه لعبد العزيز أعظم من أن يمسك به الأرض ولم يخسفها به وقد استحق الخسف به من سنين ؟ فقال له شخص إن الخسف لا يكون إلا للكفار وأنتم من المؤمنين ، فقال قد خسف اللّه